الخميس 23 سبتمبر 2021 - 07h40 GMT
عدد رقم 1729

نقاش حول تقرير مصير «شعب القبايل»

 نقاش حول تقرير مصير «شعب القبايل»
ذ نوفل البعمري
الأربعاء 21 يوليو 2021 09:14

كلمة عمر هلال، التي تم تقديمها في مؤتمر عدم الانحياز، خلفت نقاشا كبيرا ليس فقط داخل الجزائر بل أيضا داخل المغرب، بين من دافع عن أهمية تبني المغرب الرسمي لدعم استقلال وتقرير مصير شعب القبايل، الذي ينطلق من ضرورة الرد بنفس سلاح الخصوم حتى لو أدى إلى المس بواحدة من ثوابت الخطاب الدبلوماسي المغربي الداعم لوحدة الشعوب من منطلق مبدئي وأخلاقي، قبل أن يكون سياسيا، وبين من اعتبر أن هذا الخطاب «شخصيا أصطف مع هذه الفكرة» لا يمكن اعتباره مؤشرا على تحول في خطاب الدبلوماسية المغربية ولا يمس جوهر عملها المبني على النأي بالنفس عن المشاكل الداخلية لبعض الدول، وتبني طرح وحدة الدول وعدم المساس بسيادتها، خاصة وأن جل خطب العاهل المغربي ظلت متشبثة بهذا الاختيار الاستراتيجي، الذي لطالما أعلن عنه في قمم عربية «القمة المغربية-الخليجية» وفي مناسبات وطنية عدة، وهو نفسه الخطاب الذي أطر عودة المغرب للاتحاد الإفريقي وشجع دولا إفريقية عديدة لتكون مصطفة إلى جانبه وداعمة له.

هذا النقاش، الذي تفجر، يمكن القول إنه نقاش صحي، أبرز أن المجال الدبلوماسي المغربي مفتوح، غير مغلق، وأن المغاربة قادرين على التفاعل مع كل القضايا التي تهمهم ومنتبهين لما يعتبرونه قضايا استراتيجية، وأكد أن المغرب بلد له مناعة قوية داخلية لمناقشة كل القضايا دون أي عقد تاريخية ولا كوابح سياسية، وهو عنصر قوة، يقوي المغرب ويقوي الدبلوماسية المغربية ويُثبت أن المغاربة متابعين جيدين ومنتبهين لدبلوماسيتهم، وللعمل الذي تقوم به، وأن الشأن الدبلوماسي لم يعد محتكرا في دوائر معينة، بل أصبح العمل الدبلوماسي المغربي شأنا عاما يتفاعل معه المغاربة كما يتفاعلون مع مختلف قضاياهم الأخرى، وهي نقطة تُحسب للمغرب.
بعيدا عن رد فعل النظام الجزائري، الذي أصدر بيانا يعكس حالة الصدمة التي تلقاها نتيجة تصريح عمر هلال،هذا البيان الجزائري الذي لا يحتاج لأي تعليق لأنه يعكس حالة الأزمة التي يعيشها النظام العسكري وانسداد أفقه السياسي داخليا وفي المنطقة، ويؤكد عجزه عن مسايرة المغرب في الإصلاحات التي تم قام بها، فالسؤال الذي فجره تصريح عمر هلال، لابد من طرحه بالوضوح اللازم، هل يجب دعم وتبني فكرة تقرير مصير «شعب القبايل»؟!
طبعا الإجابة العاطفية، والتي تنطلق منذ 45 سنة من معاكسة النظام الجزائري للمغرب ولوحدته الترابية ستؤدي إلى القول بضرورة أن يتبنى المغرب مقولة « شعب القبايل المحتل»، ولم لا دعم حركة «الماك» وحكومة القبايل المنفية، لكن، وبالمقابل، الجواب العقلاني الذي ينطلق من قراءة تاريخية لنزاع الصحراء المفتعل ولمآلات كل النزعات الانفصالية، وللخطاب الدبلوماسي المغربي يجعل من ضرورة التنبيه لعدم الانسياق وراء هذا الخطاب، على الأقل، رسميا، ليس من منطلق ضعف المغرب، بل من منطلق وطني بحث ولعدة اعتبارات أساسية منها:
المآل الذي انتهى إليه النظام العسكري الجزائري الذي نسي كل قضاياه الداخلية، وقام بتبذير ملايير الدولارات على النزاع المفتعل حول الصحراء، وعطَّل أية إمكانية لبناء جزائر قوية، ديموقراطية، وأجل سؤال التنمية الحقيقية بسبب انشغاله بالمغرب وبهذا النزاع،لايجعلنا نتحمس لفكرة تبني طرح ودعم تقرير مصير شعب القبايل، لأن ذلك سيدفع المغرب ودبلوماسيته لبذل جهد كبير في نزاع لن يكون له أي أفق سياسي بالمنطقة، وسيُشغل المغرب خارجيته بنزاع هامشي وعن استكمال المهام الوطنية الكبيرة التي تقوم بها الخارجية المغربية، والتي استطاعت أن تحقق تقدما كبيرا في المنطقة وفي الأمم المتحدة، ولا يمكن تضييع كل هذه المكاسب ولا حشرها في فكرة «تقرير مصير شعب القبايل».
المغرب في نموذجه الدبلوماسي لم يكن يوما يعمل بنفس المنطق الخبيث الذي يتحرك به النظام الجزائري، ولا يمكن أن يكون مثالا يحتذى به، بل على العكس ظلت الدبلوماسية المغربية من خلال خطابها الواضح حول الدفاع عن سيادة الدول ووحدة الشعوب تصنع الفارق السياسي مع نموذج عسكري انتهت دورته المؤسساتية وأصبح يأكل نفسه ببطء حتى انتهى للأزمة التي يعيشها، بالتالي لن يكون سلاح العسكر هو نفسه السلاح الذي قد يستعمله المغرب، لأنه لا مجال للمقارنة بين النظامين، ولا بين مساريهما.
المغرب يعي أن أزمته مع النظام الجزائري وليس الشعب الجزائري ولا نخبه، التي أصبحت تُعبر، وإن بشكل محتشم بسبب حالة القمع الشديد الذي تتعرض له، عن رفضها لما يقوم به العسكر الجزائري تجاه المغرب وتجاه ملف الصحراء، ولذلك لا يمكن أن نُحول أزمتنا ونجعلها مع الشعب الجزائري، الذي مازال يرفع شعار الاستقلال من هذه الطغمة العسكرية التي تسيطر عليه وتنهب مدخراته وخيراته الوطنية، بحيث ظل المغرب في خطابه يميز بين النظام والشعب المغلوب على أمره، والذي مازال يكابد ويناضل من أجل تحقيق تغيير سلمي ديمقراطي، ينهي مع هذا النظام وينتقل به لنظام مدني.
فكرة استقلال القبايل ظلت معزولة داخل الجزائر، ولا امتداد سياسي داخلي لها، بل الحراك في هذه المنطقة ظل طيلة السنتين وأكثر يرفع علم الجزائر إلى جانب العلم الأمازيغي الثقافي، بالتالي حتى بالمعطى البرغماتي لا يمكن الرهان على ملف لن يكون له أي تأثير حقيقي داخل الجزائر، وعلى عكس فكرة تقرير المصير شعب القبايل، الشعب الجزائري رفع شعار تقرير مصيره ككل، تقرير مصير بالشكل الذي يجعله يختار نظامه الذي يريد بشكل حر، ديموقراطي، وقد سبق للحراك أن طالب «باستقلال الجزائر» معتبراً نفسه في حكم المُستعمر من طرف الجنرالات، لذلك تبني هذه الرؤية، رؤية الحراك نفسه في دعوته لتقرير مصير كل الشعب الجزائري، ستكون خارجيا مُحرجة للنظام الجزائري، بحيث سيكون له مشترك مع البوليساريو في كونهما معا لا يمثلان من يدعون أنهم يتحدثون باسمها، فلا النظام يمثل الشعب الجزائري ولا تنظيم البوليساريو يمثل الساكنة الصحراوية المحتجزة والمقيم منها بالمخيمات.
المغرب ظل منسجما مع نفسه، فهو لا يمكن أن يكون في الأقاليم الصحراوية مع مبادرة الحكم الذاتي، ويكون داعما للانفصال في منطقة أخرى، هذا التوجه سيسقطه في تناقض سياسي وسيؤدي للمس بتماسك خطابه الدبلوماسي الخارجي، ولا يمكن بعد كل الذي حققناه أن نعود لنقطة الصفر، بسبب دعوة عاطفية وانفعالية للانسياق وراء نظام مجنون ليس له ما يخسره ويعتبر اختلاق الأزمة انتعاشا له.
المغرب فعل حسنا عندما لم يلتفت لبيان خارجية الجزائر التي طالبت بتوضيحات حول خطاب عمر هلال، المغرب ليس ملزما بالرد ولا بالتوضيح، وليس مطالبا منه أن يدخل في تراشق إعلامي للرد على بيان وعلى الدعاية العسكرية التي يبثها والسموم التي ينشرها داخل الجزائر.
كلمة عمر هلال أدت وظيفتها، وقد تكون في طياتها تحمل رسائل لدول أخرى معنية بالانفصال أكثر من الجزائر «إسبانيا مثلا»، وعلى كون المغرب قادر على استعمال نفس الخطاب بنفس القاموس، وقادر على القيام بنفس التحركات المعادية وأكثر، وإذا كان يستند إلى خطاب أخلاقي وإلى الوضوح فلا يجب تجريبه في حرب دعم الانفصال، وهنا الرسالة وإن وُجهت للنظام الجزائري فستكون قد وصلت لدول أخرى تقف بشكل علني أو سري مع مليشيات البوليساريو.
خطاب أو كلمة عمر هلال أدت وظيفتها، أربكت لعمامرة، وأظهرت له أن سلاحه قد يرتد عليه وعلى نظامه، وقد يتم استعماله هنا أوهناك في إطار السجال الذي قد يحدث بمناسبة ما، لكن لا يمكن أن يتحول للاعتبارات السابقة جزءا من الخطاب الرسمي للدبلوماسية المغربية ولا جزءا من تحركها في الخارج.



مقالات ذات صلة
التعليقات