الخميس 15 أبريل 2021 - 08h17 GMT
عدد رقم 1568

مُساءلة الذات وسُــؤال الضميرالحي؟

مُساءلة الذات وسُــؤال الضميرالحي؟
الدكتور عبد النبي عيدودي
الأربعاء 24 فبراير 2021 16:05

ها هي سنة 2021 دقت الأبواب... جلستُ وحدي بعد أن أديت جميع واجباتي الصباحية المُبكرة، كما هي عادتي،... أتأمل مساري السياسي في ما بين عامي 2015 - 2021.... وأنا الذي تحملتُ مسؤولية تدبير الشأن المحلي لجماعتي و أهلي بالحوافات... وفكرتُ أنَّ رابطتي بها ليست فقط سياسية ووقتية... بل إنها تُجسد لي حضن العائلة ومسقط الرأس ودفء الأصدقاء وحنين التراب وملح الأهل والأحباب والجيران ....وهي الذكريات والجذور والأصول... والمآل...

تُرى ماذا قدمتُ خلال هذه السنوات الخمس لوطني ولمنطقتي ولجماعتي الحوافات ولكل من وضع ثقته في برنامجي السياسي الطموح، وفي شخصي المتواضع؟...

قبل أن يسعفني التأمل في الإجابة على السؤال... وفجأة، دون أن أدري، وجدتُــنِي منقاداً إلى الغوص التأملي في شريط حياتي كلها منذ الصرخة الأولى، مروراً ببدايات تشكل الوعي بالذات والآخر والبيئة... وحتى يومنا هذا ... ثم كأنني أكتشف الأمر لأول مرة: نعم أربعة وأربعون عاماً هي المسافة الزمنية التي قطعتها حتى الآن... عبرتُها في مثل رمشة عين.... ويا للعجب: يراني الشيوخ، أطال الله عمرهم، شابا، ويُناديني اليافعون: يا عمي.... ابتسمتُ في تأملي لهذه المُفارقة الجميلة، وقلتُ لنفسي: لم يبق لك أيها العمر إلا القليل!؟ نسأل الله حسن الخاتمة.... فكيف تريد للقادم من الأيام، إذا كتبها الله لك، أن تكون؟ فأجاب عقلي بجوارحه على الفور: "أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد".

طَــفِـقْــتُ أُعَدِّدُ هفواتي ووجوه تقصيري خلال الأعوام الخمسة الفائتة، فتراءت لي عديدة... لكنها، مهما صغرت أو كبرت، فهي تهون وتسقط أمام هول ما تعرضتُ له من خيانات وظلم وادعاءات وتشهير ومُتابعات قضائية بمزاعم كيدية، من خصوم سياسيين دأبوا على الاشتغال بأساليب المكر والدسائس، بدل الانشغال بأمور الناس والعمل على تحقيق شيء من حاجيات المُستضعفين في الأرض.

اجتاحتني أسئلة حارقة: هل هذا هو ثمن النجاح؟ هل قَدَرُ جميع الذين يريدون العمل هو أن يتعرضوا إلى كل هذا الحجم من الرجم؟ هل يريدون إسكاتنا وتثبيط عزائمنا؟ هل هناك فعلا من يسكنه الحقد إلى درجة الجرأة على هدم كل شيء؟ هل لا مكان بيننا للجدية والمودة وحب الأرض والناس؟ هل يستحق الأمر الاستمرار في تحمل الأمانة؟ أم أن الرجوع إلى الخلف والتواري عن الأنظار هو الحل؟ ثم لمن سوف نترك مشاكلنا العامة؟ للمنافقين الكسالى المفسدين الذين يحلمون بيوم الانقضاض على أهلنا؟!!

ثم انتابتني السكينة، وقلتُ لذاتي: أليس كل الذين آمنوا بالتغيير وعملوا من أجله، تعرضوا لهذا ومثله وأكثر منه؟! هذه هي مسيرة العمل والعطاء والتضحية، محفوفة دوما بمخاطر عدم الاعتراف من البعض، وإنكار وجحود آخرين، ومعاول هدم البعض.... إنما الحمد لله على أن الأكثرية صارت تُدرك وتَعِي وتُـــمَــيِّـزُ بين الصالح والطالح.... وقررتُ المواصلة.... مهما كلف ذلك من عناء وتعب وصبر وجَلَد...

أليس الخمسة آبار التي نجحتُ في حفرها، بفضل الله، بجماعة الحوافات، هي من رفع عن الناس أزمة العطش؟ وهي ما امتص غضب الساكنة؟...دعونا من "المحاكمات الافتراضية" الافترائية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي لا يُصدقها حتى ناشروها... دعونا من الصور والتدوينات المُغرضة البئيسة المأجورة اليائسة..... وزوروا جماعة الحوافات حتى تتضح لكم الحقيقة ساطعةً بلا وساطات...

هذه دعوة مفتوحة مني، أنا العبد الضعيف رئيس جماعة الحوافات: إلى كل قارئ لهذه السطور المتأملة... تعال، يا صديقي، إلينا وتعرف على ماذا تحقق بالسوق الاسبوعي الحوافات، حيث تم ترصيف أزيد من أربعة هكتارات ونصف... وقم بالطلاع على تطوير البنية التحتية التعليمية والتربوية، حيث تم بناء ثانوية ومدرسة للتعليم الأولي، وحيث تم إقرار وتجهيز النقل المدرسي مجانا... تعالوا، مرحبا بكم وأهلا وسهلا بكم في جماعات الحوافات في حلتها الجديدة: حيث ملاعب القرب، ومقر جديد للجماعة، ومقر جديد للمكتب الصحي... وهي تجهيزاتٌ لا تُضاهي رونقها وجودتها حتى نظائرها بمدنٍ مجاورة.... ثم أزيدكم: لقد تم إنشاء أزيد من 12 قنطرة فكت العزلة عن ساكنة هُضمت حقوقها منذ عقود......والقادم أكثر زخماً... ولازال الرأس يَــــعُــجُّ بالمشاريع والبرامج، فيها كلها الخير والنماء لمنطقتي التي أعشقها ... فعشقها جزءٌ من عشق الوطن...وقسطٌ من عشق الأصول والجذور.... ونزرٌ من عشق المستقبل زاهرا للأجيال اللاحقة.

أدعوكم، لزيارة الحوافات، لتروا بأم أعينكم ماذا تحقق من تهيئة المركز، والقرية الرتبية التي كانت غارقةً في غياهب الأوحال والأزبال... وتفقدوا الطرق التي تم شقها وفتحها وفاق طولها 120 كيلومترا، وصارت تخترق جميع الحقول والدواوير، مع إعدادٍ شامل لوثائقها التعميرية...

قوموا بتقييم الوضع، وقارنوه بما كان على مستوى الخدمات الأساسية، لا سيما من حيث تغطية أزيد من 70‎% ‎ من الجماعة بتطهير السائل، و100‎% ‎من الطرق، و100‎% ‎من الماء الصالح لشرب، و90‎% ‎من الكهرباء..... إنها نسب مئوية تتجاوز المعدل الوطني المسجل في العالم القروي وتقترب، بل تضاهي المعدلات الوطنية في المدن الكبرى لمملكتنا الصاعدة بثبات........... كيف لنا أن نبنيَ الوطن إذا لم نساهم في بناء قرانا ومدننا ودواويرنا ومداشرنا؟ ... هذه قناعتنا، وهذا مسارنا، وهذه منجزاتنا، ولا يزال طموحنا واسعا ممتدا ... بحجم البحر في أحشائه الدر كامِـنٌ، على حد تعبيرٍ أستعيره من الشاعر حافظ إبراهيم.

أيها القارئ، أينما كنتَ، أرجو أن تزور جماعة الحوفات، لتقف على مشاريع الحد من فيضانات واد سبو بدوار الحميدين واولاد عمران، وما يتبعه الآن من دوار العزيب وشرينات اولاد حليمة واولاد جابر....قد تبدو لك عبارة "الحد من الفيضانات" تعبيراً بلا معنى ولا قيمة..... وأنا أعذرك.. لأنك ربما لا تُدرك حجم المعاناة، بل المآسي الإنسانية والطبيعية والخسائر المادية والبشرية، التي تكبدناها في المنطقة، عبر عقود، من جراء فيضانات وادي سبو.... لذلك اسألوا أهالينا عن قيمة هذا المشروع ... إنه بكل بساطة: تأمينٌ أنفس وحمايةٌ أرواح وطمأنينة ساكنة وسلام واستقرار.......

ما تحقق خلال خمس سنوات بالحوافات لم يتحقق منذ خمسين سنةً خلت، وما كان ليتحقق شيء حتى لو انتظرنا أزيد من 100 سنةً أخرى مكتوفي الأيدي مُسَلِّمين أمرنا المحلي لأناس لم يكن يهمهم سوى ذواتهم الصغيرة.... فبئس ماضيكم، وبئس حاضركم، وبئس المصير.... إن التاريخ سينساكم يا من سرقتم أحلامنا لمدة عقود...

للتفسير الرياضياتي والحسابياتي أكثر: ما تحقق من مشاريع احتاج إلى 55 مليار سنتيما، بفضل الله وتظافر جهود كل الشركاء، في حين أن الجماعة تحقق 2.8 مليون درهما سنويًا في ميزانية التجهيز والاستثمار.... فلنقم بعملية حسابية بسيطة: 55 مليار، وهي 550 مليون درهما ككلفة إجمالية لهذه المشاريع، نقسمها على 2.8 مليون درهما المتوفرة سنويا، تساوي 196 سنةً تقريبًا...

إن هذه العملية تُفضي إلى أنه إذا كنا جلسنا في الحوافات بلا سعيٍ حثيث نحو جلب المشاريع وعقد الشراكات والبحث عن التمويلات الضرورية، لكان علينا انتظار 196 سنةً من أجل تحقيق ما تم تحقيقه في خمس سنوات لجماعة الحوافات ..... فهل تُدركون الآن معنى اللامركزية؟ ومعنى التنمية المحلية؟ ومعنى حب الوطن؟ ومعنى الاجتهاد؟ ومعنى الإرادة؟... ومعنى تحويل الفكرة إلى واقع؟ ومعنى الحلم المقرون بالعمل؟ ..... لا أشك في أنكم تُدركون.... وتقولون: نعم نستطيع... هذا ليس كلام نظري من الأبراج العاجية التي يُتقن البعض التحدث منها.... هذا كلام شاب آمن بالقدرة على تطوير المجال الترابي الذي يعيش فيه... وقام إلى العمل.... سقط ونهض.... دق الأبواب... أصابه الإحباط حيناً...واجه الصعوبات أحياناً.....عانى من المكائد....لكنه عزم وتوكل..... ونجح.... ولا يزال يسعى نحو مزيد من الخير لأرضه وأرض أجداده.

هذا الزخم من المشاريع التنموية والعمل الجبار والجهد الجهيد، وهذا المُنجز الفريد المتميز داخل هذا الوطن الكبير، يجعلني أفتخر وأعتز بكل ما قدمته لساكنة الحوافات دون تمييز أو إقصاء أو حيف لأي دوار.. فأنا رئيسٌ للجميع... وهذا واجبي أقوم به كما يتعين على الجميع أن يقوم بواجبه...

أحترم كثيرا من يقول العكس، سواءٌ كان عن غيرة أو حسد، أو سواء كان عن حسن نية وصدق... أقول للجميع: معذرة وألف معذرة... نطلب السماح لأننا لم نحقق لك شيئاً، أو لأننا لم نحقق لك ما كنتَ تنتظره...

في نفس الوقت، أقول شكرا لمن شجعنا وشكر لنا عملنا، وشكرا لمن ساعدنا، حتى لو بالكلمة الطيبة التي هي زادنا وعتادنا لنقوم كل صباح بعزم جديد ونَــفَس متجدد... نقول له الشكر لله والفضل لله والحمد الله الذي تتم بنعمه الصالحات... "ولئن شكرتم لأزيدنّكم" صدق الله العظيم...........

فما قدمناه ليس نابعا سوى من صميم إيماننا بالواجب المفروض علينا طوعًا وكرهًا وحبًا نقوم به خدمة للوطن وتقربًا إلى الله... فإن أصبتُ فمن الله عز وجل، وإن أخطأت فمن نفسي الأمارة بالسوء... والحمد لله رب العالمين يُحب من دعاه خفيا، ويُجيب من ناداه نجيًــا، ويزيدُ من كان منه حَــيِــيًا، ويكرم من كان له وفيا، ويهدى من كان صادق الوعد رضيًــا..... والله المستعان على ما يصفون.

والحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده

بقلم : الدكتور عبد النبي عيدودي رئيس جماعة الحوافات



مقالات ذات صلة
التعليقات