الثلاثاء 26 يناير 2021 - 00h38 GMT
عدد رقم 1489

ذ.حنان أفرياض ،عضوة بمنتدى الصحراء للحوار والثقافات ،باحثة في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية،ومدربة دولية في التنمية المستدامة

ذ.حنان أفرياض ،عضوة بمنتدى الصحراء للحوار والثقافات ،باحثة في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية،ومدربة دولية في التنمية المستدامة
ذ.حنان أفرياض
الخميس 31 ديسمبر 2020 15:37

يعتبر تمكين المرأة قاسماً مشتركاً وحتمية عالمية، على الإنتاجية والنمو في مجتمعات واقتصادات أكثر احتواء للجميع، لهذا فإن زيادة الفجوات الكبيرة والمستمرة بين الجنسين هما جانبان كبيران يساهمان في تراجع نتائج سوق العمل للمرأة في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية.

لقد أفاد معهد "ماكينزي" العالمي أن دعم المرأة على مستوى العمل، يمكن أن يضيف 12 تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2025، ويساهم في نمو اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة خمسة وثمانين في المائة. كما يقدر البنك الدولي أن ارتفاع معدلات مشاركة النساء في القوى العاملة قد يؤدي إلى زيادة متوسط دخل الأسرة بنسبة 25 بالمائة وبالتالي خلق اقتصاد أكثر صلابة ومعدلات أعلى للنمو الاقتصادي.

ولأن النساء، في العالم،  يتقاضين أجوراً أقل، ويتركز عملهن على الأنشطة الضعيفة والمتوسطة الأجر، وتقل فرص وصولهن إلى المصادر الاقتصادية، بالإضافة لتحملهن أعباء شؤون المنزل والرعاية الأسرية. لهذا فالتمكين الاقتصادي للنساء يعد أمراً حيوياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، والوصول إلى كوكب النصف بالنصف 50/50 بحلول عام2030 طالما تعززت الجهود المحلية والدولية ليس فقط من باب الإنصاف والمساواة، بل كذلك من باب الاستدامة.

      وعن المغرب، فقد انخرط في مسلسل تعزيز مبدأ المساواة والإنصاف وتمكين المرأة من الانخراط في تنمية عجلة الاقتصاد، عبر تنزيل العديد من الإجراءات التشريعية  غير أن العديد من الإكراهات ما تزال تعرقل ولوج المرأة لسوق الشغل وإنشاء المقاولة النسائية. فماذا نقصد بالتمكين الاقتصادي للمرأة؟ وماهي الإجراءات التي اتخذتها الدولة المغربية لتحقيق ذلك؟ وماهي العراقيل التي ماتزال تقيد انخراط المرأة في التنمية الاقتصادية؟

1.   التمكين الاقتصادي للمرأة: قراءة في المفهوم

1-1 المرأة والتنمية: الدينامية والأدوار

تعتبر أنثروبولوجيا التنمية علماً حديث النشأة قياساً بالفروع الأخرى من فروع الأنثروبولوجيا، "وقد بدأت قضية التنمية تحتل موقعاً معرفياً في الفكر الأنثروبولوجي المعاصر على اختلاف مشاربه واتجاهاته الإيديولوجية " .

ويشير مفهوم انثروبولوجيا التنمية إلى أهمية التغير الاجتماعي والثقافي، فهي "تنظر إلى التغير على أنه خاصية مميزة لكل الثقافات في تفاعل دينامي مع القومية التي تدعم الاستقرار" .وقد "اهتمت الأنثروبولوجيا بمسائل التنمية الاجتماعية والثقافية والسياسية في المجتمعات مركزة على التحولات البنائية التي عرفتها هذه المجتمعات" .

إن موضوع التنمية من أهم المواضيع التي شجعت الباحثين الأنثروبولوجيين على "القيام بدراسات اجتماعية" كما عملت على تطوير تخصصات العلوم الاجتماعية، وذلك "بهدف دراسة أهم العراقيل التي تقف عائقاً أمام تنمية وتطور هذه المجتمعات" . حيث"ربطت بعض النظريات الأنثروبولوجيا قضية التنمية بطبيعة الأجناس البشرية وفسرت في ضوء ارتباطها بالشخصية القومية" .

وإذا كان بعض الأنثروبولوجيين يرون أن "الاقتصاد هو العامل الوحيد لتفسير الحياة الاجتماعية" ، فإن التنمية تنطوي على توسيع حاسم في كل مجالات القدرات الإنسانية والنشاط الإنساني وهى من المجالات الفكرية والروحية والاقتصادية والتكنولوجية سواء من حيث قهر الظروف الجغرافية أو إطالة عمر الإنسان من حيث مستويات الرعاية الطبية ورفع مستوى الغذاء لعامة الشعب، ثم المجالات الاجتماعية. وهي تنشيط أعداد متزايدة باستمرار من البشر للمشاركة في مجالات العلاقات الإنسانية لتحقيق الأهداف وأداء الوظائف التي تتحقق من خلال التنمية،فلا تقتصر التنمية على النمو الاقتصادي فقط وإنما تشتمل على تغيير ثقافي وعلى تغيرات في البناء الاجتماعي القائم.

ولا شك أن هذين العنصرين متلاحمين يؤثر كلاهما على الأخر، فالنمو الاقتصادي يؤثر في النمو الاجتماعي، وكلاهما يعمل على خدمة الآخر، "فالتنمية تنطوي على توظيف جهود الكل من أجل صالح الكل خاصة تلك الفئات الاجتماعية التي حُرمت في السابق من فرص التقدم النمو"

إن المرأة من أكثر الفئات المستهدفة في التنمية، ولقد أكدت الآراء الحديثة الواردة في أدبيات التنمية أن نجاح برامج التنمية مرهون بمشاركة وتمكين العنصر البشري وطبيعة تأهيله، حيث تعتبر المرأة ركناً أساسياً في عملية التنمية. على اعتبار أنها من الطاقات المهمشة في عملية التنمية، وقد ظلت النظرة الأكثر انتشاراً هي التي تنظر إلى المرأة على أنها كائناً لا يصلح إلا للإنجاب والاهتمام بشؤون المنزل فقط، إلا أن هذه النظرة قد بدأت في التغير شيئاً فشيئاً وسط احتياجات العصر للمزيد من الموارد البشرية المؤهلة والمدربة، لقد أكدت العديد من الدراسات علي أن من مؤشرات تقدم المجتمع، مساهمة نسائه في النشاط الاقتصادي والاجتماعي، بل إن هناك أراء ترى أن الخطط التنموية لابد أن تعتمد في جهودها على مشاركة المرأة بجانب الرجل كونها نصف القوى البشرية في المجتمع، وتتعدد مصادر تنمية المرأة مثل الصحة، التعليم والتدريب، المشاريع الإنتاجية ومنها المشاريع الصغيرة التي "أصبحت في الآونة الأخيرة محل اهتمام عالمي نظراً لما تقدمه من فرص عمل وتحسين الدخل وزيادة التنمية على الصعيد الفردي والجماعي"

1-2 أبعاد مفهوم التمكين الاجتماعية والمجتمعية:

يرتكز التمكين كمفهوم على عنصر القوة الذي يشكل جوهر عملية التمكين، فالقوة تقترن في أغلب الأحيان بالقدرة على فعل شيء ما حين يتولد عن تلك القدرة الشعور بالمسؤولية والرغبة في اتخاذ القرار والتصرف بكل حرية.

لقد بدأ مصطلح التمكين بالظهور في تسعينيات القرن العشرين، من خلال الوثائق الدولية الخاصة بالمرأة والصادرة عن هيئة الأمم المتحدة، ثم انتشر انتشاراً واسعاً بين الهيئات والأفراد وتداوله المهتمين بقضايا المرأة والتنمية، وقد انقسمت ردود أفعال الناس تجاه ذلك المصطلح بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، فالمؤيدون يرون أن المصطلح هو" إزالة كل العقبات والعوائق أمام وصول وحصول المرأة علي حقوقها الطبيعية، ومن ثم فهو "مصطلح منصف وعادل ولا غبار عليه، والمتحفظون يرجعون سبب تحفظهم إلى غموض المصطلح وعدم وضوح معناه وأبعاده، وملابسات نشأته وما يعمق ذلك تحفظ تطبيق المصطلح على أرض الواقع وأثرها على الأسرة والمجتمع" .

من جانب آخر يؤكد المعارضون أن عددا من المصطلحات المثيرة للجدل يتم ترجمتها في الوثائق الرسمية للأمم المتحدة بشكل غير دقيق مثل مصطلح Women Empowerment، إلى تمكين المرأة، وهي علي حسب وجهة نظرهم ترجمة خاطئة تؤدى إلي تغيير المعنى والمضمون، وتوجيه الفهم باتجاه مختلف تماماً، في حين إن المرادف لكلمة تمكين في اللغة الانجليزية Enabling وليس Empowering، أما الترجمة الصحيحة لمصطلح Women Empowerment فهي" استقواء المرأة (فكلمة Powerتعني قوة، وكلمة Empowering تعني تقوية، وكلمة Empowerment تعني استقواء، واستقواء المرأة Women Empowerment يعني تقوية المرأة لتتغلب علي الرجل في الصراع الذي يحكم العلاقة بينهما" .

لقد اتخذ المفهوم مؤخراً معاني أكثر عمقاً مما تعنيه الكلمة المجردة، خاصة مع تسارع الوعي لأثار التهميش الواقع علي بعض فئات المجتمع ومنها المرأة المغربية، ويبدأ توجيه التمكين بإدراك المرأة ذاتها وشعورها بالسيطرة على حياتها، مما يؤدى إلى خلق وعي مجتمعي بالحقوق الفردية والجماعية و"إمكان الانضمام إلى مجموعات ضغط وحركات اجتماعية قادرة على تمثيل مصالحهن وتنتهي بتمثيل أكثر للنساء في مراكز صنع القرار الاقتصادي والسياسي" .

بالتالي، فالتمكين في الأساس هو "الوعي الذاتي للقدرات الكامنة وامتلاك الوسائل والأدوات لإطلاقها والاستفادة منها، والتمكين هو عملية منح الفرص الأساسية للفئات المهمشة بشكل مباشر أو غير مباشر، الأمر الذي يشمل عملية محاربة أي محاولات لصد هذه الفرص" .

لقد كان أول اعتراف دولي لمفهوم التمكين الاقتصادي للمرأة ضمن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة باسم"سيداو"CEDAW 1979، وشملت هذه الاتفاقية عدة نصوص مؤكدة على ضرورة التمكين الاقتصادي للمرأة بدءاً من ديباجتها التي ألزمت فيها ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة في حق التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، وركزت في البند الأول والثالث عشر علي ضرورة كفالة حق المرأة الاقتصادي وحث الجهات المشرعة علي تحقيقه من خلال بناء أرضية قانونية حمائية؛ وفى هذا السياق أكدت وثيقة مؤتمر بكين 5+ المنعقد في سنة 1995على ضرورة تعزيز الاستقلال الاقتصادي للمرأة في البند 26، ودعت الدول في البند رقم 35 لضمان وصول المرأة على قدم المساواة إلي الموارد الاقتصادية، "ونظراً لضرورة تمكين المرأة الاقتصادي زاد التأكيد مرة أخرى من خلال إعلان بكين 15+ للتضامن من أجل المساواة بين الجنسين والتنمية والسلام 2005، من خلال البند رقم 19 يهدف إلى تعزيز الاستقلال الاقتصادي للمرأة وتمكينها خصوصاً ضمان وصولها إلى الموارد والمنافع الاقتصادية والمالية والسوقية للمرأة وتعزيز توظيف المرأة والعمل المناسب لها"

أما بالنسبة لمكتب العمل الدولي، فقد أكد على تعريف التمكين الاقتصادي للمرأة "بانتشالها من العمل المتدني الأجر ومنحها فرص عمل أحسن" في حين برنامج الأمم المتحدة الإنمائيUNDP عرفه "بأنه يشمل توفير الفرص الاقتصادية مثل توسيع فرص الاستخدام والتوظيف الذاتي والريادية، وتشجيع العمل اللائق والمنتج، تحسين فرص الوصول للتمويل، والوضع القانوني والحقوق مثل تحسين حقوق المرأة في الملكية، الميراث، ملكية حرية التصرف بالأرض، علاوة على الدمج والمشاركة في عملية صنع القرارات الاقتصادية لتطوير آليات تعزيز مشاركة المرأة في هيئات صنع القرار."

أما عن التعريف الإجرائي للتمكين الاقتصادي للمرأة، يتمثل في "تلك العملية التي تصبح المرأة من خلالها واعية بالطريقة التي تؤثر من خلالها على علاقات القوة الاقتصادية في حياتها فتكسب الثقة بالنفس والقدرة على التصدي لعدم المساواة بينها وبين الرجل".

ومن خلال التعريفات السابقة يمكن استنتاج الآثار الايجابية التي تضمنها ممارسة استراتيجية التمكين الاقتصادي للمرأة، وهي كالتالي:

1.   يسمح لها بإعادة ترتيب علاقتها مع المحيط الحيوي الذي تعيش فيه؛

2.   ينمي للمرأة الشعور بالاستقلال الذاتي؛

3.   يوسع في مجال حريتها الاجتماعية والفكرية؛

4.   يساعدها علي ترميم جزء كبير من التشوهات الاجتماعية التي انصبت وتنصب عليها؛

5.   يسمح لها بتنمية مهاراتها العملية والعلمية والمعرفية والعقلية والثقافية والإنتاجية.

 

كما يسمح للمرأة بإعادة علاقاتها مع ذاتها فنظرة المرأة المنتجة أو المتعلمة أو المالكة إلى ذاتها تختلف تماماً عن نظرة المرأة العاطلة أو الجاهلة أو معدومة الملكية، كما يسمح بإعادة صياغة العلاقات والأدوار الاجتماعية مع الآخرين.

1-3 من المساواة بين الجنسين إلى تمكين المرأة:

يعد التمكين أداة لمساعدة الأفراد والفئات على إطلاق قدراتهم الإبداعية والإنتاجية لتحقيق نمو وتطور مستدام في ظروف معيشتهم وبشكل أكثر وضوحاً فإن التمكين يتجاوز أي تصور عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمشاركة ليشمل تمكين هذه الفئات لفهم حقائق عن بيئتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وتمكنهم من أخذ الخطوات اللازمة لتحسين ظروف معيشتهم .

ومع شيوع استخدام مفهوم التمكين بدأ النظر للمرأة برؤية استراتيجية تنموية، ترتكز على ضرورة مشاركة المرأة في عملية التنمية بوصفها فاعلاً ومنتجاً لا متلقياً للمساعدة في المجتمع، ويولي بذلك أهمية خاصة لضرورة تنظيم المرأة لنفسها لتصبح قوة سياسية فعالة لإحداث التغيير. أي أن مسؤولية تنمية قدرات المرأة وجعلها مساهمة إيجابية في عملية التنمية لا تقع على عاتق الدولة فقط بل يتحمل النساء جزءاً كبيراً منها.

وقد تبنت عدد من المنظمات التنموية منها منظمات غير حكومية ومنظمات تابعة للأمم المتحدة مبدأ تمكين المرأة، كهدف رئيس في برامجها، كذلك استحدث برنامج الأمم المتحدة التنموي برنامجاً عن السياسات الخاصة بالمرأة والرجل في التنمية هو منهاج عمل بكين 1995 الذي يعد بمثابة إطارا عالمياً لتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة. إذ يتضمن جدول أعمال لتمكين المرأة يهدف إلى التغلب على شتى العقبات وحث الحكومات والمجتمع الدولي والمجتمع المدني ومنه المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص على اتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك، كما وضع منهج عمل " بيجين" 6 أهداف استراتيجية فيما يتعلق بالمرأة والاقتصاد وهي تتمثل فيما يلي :

    تعزيز حقوق المرأة الاقتصادية واستقلالها الاقتصادي بما في ذلك حصولها على فرص العمالة وظروف الاستخدام الملائمة والسيطرة على الموارد الاقتصادية؛

    تسهيل سبل وصول المرأة على قدم المساواة إلى الموارد والعمالة والأسواق والتجارة؛

    توفير الخدمات التجارية والتدريب وسبل الوصول إلى الأسواق والمعلومات والتكنولوجيا وبخاصة للمرأة ذات الدخل المنخفض؛

    تعزيز القدرة الاقتصادية والشبكات الاقتصادية للمرأة؛

    القضاء على التفرقة الوظيفية وجميع أشكال التمييز في العمل؛

    تعزيز المواءمة بين مسؤوليات العمل والأسرة للمرأة والرجل.

 ولأهمية التركيز على تمكين المرأة، ركز الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة على تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، بغاية  القضاء على التفاوت بين الجنسين في التعليم الابتدائي والثانوي. لذلك يُعد الهدف الثالث عاملاً رئيسياً لتحقيق قائمة الأهداف التنموية للألفية.

 لا يمكن تحقيق المساواة بين الجنسين دون تمكين المرأة في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فقد أظهرت تجارب عديدة أن المساواة بين الجنسين في التعليم لا تؤدى بالضرورة إلى تمكين اقتصادي وسياسي للمرأة فربما لا تنضم إلى القوى العاملة. ويعود سبب ذلك في كثير من الأحيان إلى عدم تمكنها، وهذا تماشياً مع ما ورد في تقرير أهداف التنمية المستدامة للألفية لعام 2015، حيث أكد التقرير أنه عند تقويمه للأسباب الأساسية لعدم المساواة بين المرأة والرجل بقوله" لبلوغ تعميم تفعيل المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، فإن من الأهمية أن نعالج مجال عدم المساواة بين الرجل والمرأة في الفرص في سوق العمل، وعدم المساواة في تقسيم الرعاية المقدمة بلا أجر والعمل المنزلي غير المأجور، وقلة سيطرة المرأة على الأصول والممتلكات، وغيرها..."

2.   التمكين الاقتصادي للمرأة بالمغرب: المنطلقات والمعيقات:

2-1 تشخيص الوضعية الإجتماعية والاقتصادية للمرأة بالمغرب:

مع تزايد الإهتمام الدولي بحقوق الإنسان، تعددت الأفكار والقيم الداعية إلى المساواة بين الجنسين وتوفير الضمانات التي تكفل للنساء التمتع بقدر مناسب من الحقوق والحريات، التي غدت مادة دسمة تداولتها المنظمات الدولية وترتبت عنها العديد من المعاهدات.  ويأتي تفعيل دور المرأة مع وضع الإهتمام بحقوقها والنهوض بأوضاعها الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في مقدمة التحديات التي تواجه المغرب مثله مثل باقي بلدان الدول العربية.

إذا كانت المرأة تمثل في أغلب أرجاء العالم مورداً بشرياً مستداماً يوازى تقريباً نصف عدد سكان الكرة الأرضية وفق دراسة قام بها البنك الدولي، فإن تمكين المرأة يمكن أن يساهم في تقليل الجوع على مستوى العالم بنسبة 12 إلى 17% حسب تقرير سنة  2014.

وإذا كان المجتمع الدولي يدعو إلى الإستثمار الجاد في الموارد البشرية النسائية، فإنه في المغرب، توجد حوالـي 12,3 مليـون امرأة تبلغن سن العمل أي15 سنة فما فوق، يعشن في المناطق الحضرية بنسبة 3,6 بالمائة،  وأكثر من نصفهن يعانين من الأمية وأقل من الثلث يتوفرن على شهادة. كما يظل النشاط النسائي متمركزا على القطاعات ذات التأهيل الضعيف كما يقتصر على عدد محدود من المهن. 

كما أن الحضـور النسوي داخل القطاع غير المهيكل، يطغى عليه العمل غير المؤدى عنه،  وأن نسبة  النسـاء المقاولات لا تتجاوز 0,8 بالمائـة فقـط مـن النسـاء النشـيطات العاملات علــى الصعيــد الوطنــي، فــي حيــن أن 16,1 بالمائــة منهن يعملــن لحســابهن الخــاص. وتعكـس هذه الأرقام حجم الصعوبات التـي تواجههـا المـرأة لكـي تسـتقل بذاتهـا، كمـا تترجـم، علـى وجه الخصـوص، الواقع الإجتماعي للعمـل المسـتقل للنسـاء .

وحسب البحث الوطني حول المقاولات الذي أجرته المندوبية السامية للتخطيط، فإن النساء يسيرن 12,8 بالمائة من المقاولات خاصة منها الخدماتية ويعتبرن أقل حضورا  في تدبير المقاولات الكبرى  أي بنسبة 8 بالمائة فقط مقابل 5 بالمائة  لدى المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.

2-2 تحديات إصلاح التمكين وإكراهاته:

عرف المغرب منذ سنة 2002، العديد من الإصلاحات، سواء على المستوى التشريعي أو الإداري والتي ساهمت في تعزيز حقوق المرأة وتحفيزها على الولوج لسوق الشغل وتحقيق الاستقلالية المادية والمعنوية.

    ﺇﺻﻼﺣﺎﺕ ﺗﺸﺮﻳﻌﻴﺔ ﻣﺮﺗبطة بوﺿﻌﻴﺔ ﺍﳌﺮﺃﺓ ﺍﻷﺳﺮﻳﺔ:

انطلاقا من اعتبار المرأة شريكا فاعلا وأساسيا في تحقيق التنمية، جعل المغرب النهوض بأوضاع النساء وتحقيق المساواة في صلب إصلاحاته. وهو ما جسدته التشريعات القانونية التي كرست حقوق النساء وفي مقدمتها مدونة الأسرة لسنة 2004 والتي عدلت مدونة الأحوال الشخصية بهدف تحقيق العدل والمساواة بين الجنسية وخلق التوازن الأسري، ومن أهمها:

    ﺍﳌﺴﺎﻭﺍﺓ ﰲ ﺍﻷﻫﻠﻴﺔ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ ﻹﺑﺮﺍﻡ ﻋﻘﺪ ﺍﻟﺰﻭﺍﺝ ﻭﲢﺪﻳﺪﻫﺎ ﰲ 18 ﺳﻨﺔ )ﺍﳌﺎﺩﺓ (19؛

    ﺟﻌﻞ ﺍﻷﺳﺮﺓ ﲢﺖ ﺍﻟﺮﻋﺎﻳﺔ ﺍﳌﺸﺘﺮﻛﺔ ﻟﻠﺰﻭﺟﲔ )ﺍﳌﺎﺩﺓ (4؛

    ﺍﳌﺴﺎﻭﺍﺓ ﰲ ﺍﳊﻘﻮﻕ ﻭﺍﻟﻮﺍﺟﺒﺎﺕ ﺍﳌﺘﺒﺎﺩﻟﺔ ﺑﲔ ﺍﻟﺰﻭﺟﲔ )ﺍﳌﺎﺩﺓ (51؛

    ﺇﻋطاء  ﺍﳌﺮﺃﺓ ﺣﻖ ﺍﻟﻮﺻﺎﻳﺔ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﺑﻨﺎﺋﻬﺎ ﺍﻟﻘﺎﺻﺮﻳﻦ عند ﻏﻴﺎﺏ ﺍﻷﺏ؛

    إعطاء الحق للأطفال من جهة البنت في الإرث من جدهم المتوفى بعدها؛

    ارساء المساواة بين الرجل والمرأة في الحياة الزوجية وإضافة الطلاق الإتفاقي وطلاق الشقاق؛

    المساواة بين المراة والرجل بشأن منح الجنسية المغربية للطفل من أب أجنبي أيا كان مكان ولادته من خلال تعديل قانون الجنسية في أبريل 2007؛

    تعديل المادة القانونية رقم 37.99 المتعلقة بالحالة المدنية (رسم الزواج، النسب...)؛

    تعديل القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية (جرائم الشرف، الاستفادة من ظروف التخفيف، حماية المرأة ضحية العنف، الإكراه البدني،

    تسهيل ولوج النساء إلى أقسام القضاء بتعاون مع برامج الأمم المتحدة،

    تشجيع ولوج المرأة لمراكز القرار:

بالإضافة إلى الدستور الذي نص على حق كل مواطنة ومواطن في التصويت والترشح للإنتخابات  والتمتع بالحقوق المدنية والسياسية وحث على مبدأ تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء في ولوج الوظائف الانتخابية وألزم الدولة على تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، من خلال:

    اعتماد نمط الاقتراع بلائحة نسبية وأخرى وطنية أعطيت فيها تمثيلية للنساء؛

    نظام تحفيزي مالي للأحزاب السياسية من أجل تخصيص مراكز متقدمة للنساء بلوائح الترشيح؛

    التنصيص على تضم لوائح الترشيح لعضوية مجلس المستشارين، ترشيحات تتناوب بين الذكور والاناث؛

    إحداث صندوق دعم تمثيلية النساء يمول تقوية قدرات النساء بمقتضى مدونة الانتخابات؛

    إحداث لجنة المساواة وتكافؤ الفرص بالمجالس الجماعية وإدماج مقاربة النوع الإجتماعي في المخطط الجماعي للتنمية بمقتضى قانون 78.00 ؛

    تعزيز مواقع النساء في مختلف مراكز القرار الإداري ومناصب المسؤولية العمومية في اطار الخطة الحكومية للمساواة؛

لا يمكن للمطلع على الكم الهائل من الإصلاحات التشريعية أن ينفي الجهوذ المبذولة من طرف المغرب للنهوض بالمساواة بين الجنسين وتعزيز دور المرأة في المجتمع، إلا أن النصوص المؤطرة لا تزال تحتاج إلى جهد تشريعي كبير ولنفس ديمقراطي في تنزيل بنود الدستور المتعلقة بالمناصفة وتمكين النساء، طالما أن أن نسبة الفقر في صفوف الأسر التي ترأسها نساء تبلغ 12.5 في المائة، في حين تصل نسبة البطالة في صفوف النساء إلى 53 في المائة .

    دعم المقاولة الاجتماعية:

عرفت التعاونيات النسائية في المدن والبوادي المغربية،  تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة بما مجموعه 4524 تعاونية و35025 منخرطة أي بنسبة 6.16 في المائة من مجموع التعاونيات الذي يبلغ 27262 تعاونية، أي بإحداث 3360 تعاونية نسائية خلال الأربع سنوات الأخيرة أي منذ صدور القانون 112.12 بمعدل 840 تعاونية في السنة.

وعلى الرغم من الإكراهات التي يعيشها قطاع المقاولة الاجتماعية بالمغرب، إلا أن الدولة، عبر مختلف القطاعات، عملت على إرساء العديد من الإجراءات، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

    إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لدعم المشاريع المدرة للدخل النسائية سنة 2005؛

    إطلاق سنة 2012 الخطة الحكومية "إكرام" من أجل تحديد التفاوتات في جميع المجالات وتحديد 83 إجراء لتجاوزها؛

    إطلاق البرنامج الوطني المندمج للتمكين الاقتصادي للنساء في أفق سنة 2030 يهدف إلى وضع إطار للتمكين الاقتصادي للنساء يركز على تعزيز فرص الولوج المتساوي للعمل اللائق وتوفير فرص الارتقاء المهني لها. ويوفر ضمانات لتيسير إقلاع ونجاح المقاولة النسائية ويرتقي بالوضعية الاقتصادية للمرأة بالعالم القروي لتمكينها من الوسائل والموارد بما فيها ملكية الأراضي والاستغلاليات؛

    إطلاق نظام المقاول الذاتي لتشجيع حاملي المشاريع؛

    دعم الجمعيات لمواكبة ومصاحبة المشاريع النسائية؛

    إنشاء دار الطالبة ودار الصانعة لتشجيع التعليم واكتساب المهارات لدى النساء؛

    الولوج للملكية في الأراضي السلالية؛

    تنظيم تظاهرة “الجائزة الوطنية لأحسن فكرة تطوير مشروع تعاوني نسوي” تحت اسم “لالة المتعاونة”؛

إذا كان المغرب من بين الدول العربية السباقة إلى المصادقة على الاتفاقيات الدولية التي تناهض جميع أشكال التمييز ضد المرأة والتي  تنص على أن "التنمية التامة والكاملة لبلد ما، وقضية السلم، تتطلب من الجميع أقصى مشاركة ممكنة من جانب المرأة على قدم المساواة مع الرجل في جميع الميادين"، وعلى الرغم من النظم التي عمل المغرب على تنزيلها، خاصة منها هيأة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، إلا أن مجموعة من العراقيل لا تزال تهدد التمكين الاقتصادي للمرأة نذكر منها:

    صعوبات متعلقة بتطبيق النصوص القانونية؛

    تزايد مؤشر العنف ضد النساء والفتيات خاصة بالأوساط الحضرية؛

    استمرار بعض الممارسات التمييزية بالعالم الحضري والقروي؛

    استمرار الأمية في صفوف النساء خاصة منهن القرويات؛

    تزايد مؤشر الهدر المدرسي خاصة بالعالم القروي؛

    صعوبة وصول المرأة إلى الفرص الاقتصادية خاصة فيما يتعلق بتمويل المشاريع؛

    ضعف التكوين و التأطير في مجال التمكين الاقتصادي و إنشاء المقاولة؛

    ضعف الالتقائية بين المتدخلين؛

    سيطرة القطاع غير المهيكل وضعف استقطاب المرأة العاملة؛

استنادا لما سبق، يمكننا القول بأن التمكين الإقتصادي للمرأة هو أداة لا محيد عنها لتعزيز قيم المساواة بين الجنسين وترسيخ مبدأ التعاون والتكافل الإجتماعيين. فرغم الإصلاحات الدستورية والمعيارية التي مكنت، في المغرب،  من إحراز تقدم في مجال مساهمة المرأة في التنمية، فإن فعليتها تبقى غير كافية في ظل غياب رؤية واضحة للتحقيق الفعلي للمساواة بين الجنسين على المستويات المؤسساتية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. ذلكَ "أنّ البُعد الاقتصادي يهمّ حصّة النساء في مجال الإنتاج وتبادل السلع والخدمات، كما يهمّ الوقوف عند مدى  تأثيرِ مختلف السياسات العموميّة على حصّة النساء في توْزيع المَداخيل والثروات، وعلى المكانة المُخَصّصة لهنّ داخل المؤسّسات والآليات الاقتصادية"  حسب تقرير المجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي المتعلق بالنهوض بالمساواة بين النساء والرجال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية لسنة 2014. لهذا، فلا بد من التفكير في كيفية التصدي بداية للمحددات السوسيو ثقافية التي تبقي النساء مشدودات للمنظور التقليدي للأدوار النسائية والرجالية رغم تشبتهن بمبدأ المساواة بين الجنسين. فما دام المغرب يستخدم في تقاريره مصطلحات "ربات البيوت" و "المعيلات المنزليات"، فإن الإجراءات، على تعددها، ستبقى حبيسة التقارير مالم تتكافل جهود جميع المؤسسات بما فيها الجامعات لتنزيل استراتيجيات مندمجة تأخذ، ليس فقط بالبعد الاقتصادي، بل كذلك البعد السوسيولوجي والثقافي والترابي.



مقالات ذات صلة
التعليقات