الأربعاء 1 ديسمبر 2021 - 00h51 GMT
عدد رقم 1798

أزمة تقلبات الأثمان في الصفقات العمومية بالمغرب

أزمة تقلبات الأثمان في الصفقات العمومية بالمغرب
بقلم نجاحي ياسين
الاثنين 11 أكتوبر 2021 23:06

عرفت المواد الأولية زيادات صاروخية على الصعيد الدولي نتيجة الجائحة الحالية، أثرت بشكل جلي على جميع الأنشطة الاقتصادية خاصة منها قطاع البناء الذي شهد تحطيما للأرقام القياسية بسبب الارتفاع المهول في تكاليف الشحن بالأساس.

هذه الزيادات أثرت سلبا على الفاعلين الاقتصاديين النشطين في ميدان الصفقات العمومية بالمغرب لكون الدولة هي المستثمر الأساسي والأهم.

هذه الظاهرة دفعت بنا إلى محاولة تفسيرها في إطارها القانوني والمؤسساتي مستغلين في نفس الوقت إشكالية الزيادة في الحد الأدنى من الأجر التي عرفتها بلادنا خلال السنوات الفارطة.

في بادئ الأمر سنعمل على تحديد الإطار القانوني لمبادئ وطرق مراجعة الأثمنة في مدونة الصفقات العمومية ثم بعد ذلك محاولة تحليل سلبيات هذه الترسانة مع التأكيد على الثقافة السائدة لدى المقاول المغربي بصفة عامة والدور المحتشم لبعض مؤسسات الدولة.

يمكن اعتبار قرار رئيس الحكومة تحت عدد 3-302-15 والصادر في 27 نونبر 2015 هو المرجع الأساسي في هذا الباب، حيث أكد هذا القرار أن "مراجعة أثمان الصفقة العمومية يمكن من مراعات التقلبات الاقتصادية التي تتم معاينتها في أسعار المواد الداخلة في إنجاز الأعمال موضوع الصفقة بين تاريخ وضع الأثمان للصفقة المذكورة وتاريخ أو تواريخ انتهاء تنفيذها".

كما أكدت أيضا مقتضيات المادة 12 من المرسوم رقم 2-12-349 المتعلق بالصفقات العمومية في الفقرة الثانية بقولها "يكون ثمن الصفقة قابلا للمراجعة عندما يمكن تغييره بسبب التقلبات الاقتصادية خلال تنفيذ العمل تبرم صفقات الأشغال بثمن قابل للمراجعة. يمكن لصاحب المشروع أن يقرر قابلية الأثمان للمراجعة بالنسبة لصفقات الدراسات التي يساوي أو يفوق أجل إنجازها أربعة أشهر".

من خلال ما سلف ذكره يتضح جليا أن المشرع المغربي قد استثنى من المراجعة صفقات التوريدات وصفقات الخدمات غير تلك المتعلقة بالدراسات وأكد على ذلك صراحة في نفس المادة 12 السالفة الذكر.

هذا التوجه حصر المراجعة في "المواد الداخلة". وهذا ما رجحته اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية في رأيها الاستشاري تحت عدد 47/2019 والمؤرخ ب 17/12/2019 حيث اعتبرت أن مراجعة أثمان صفقة المتعلقة بزيادة الحد الأدنى للأجر، غير قابلة للتطبيق في نازلة الحال.

هذه النظرة المحتشمة أضرت كثيرا بالتوازن المالي لعقود الخدمات خاصة تلكم المتعلقة بالحراسة والنظافة والبستنة حيث تشكل اليد العاملة الجزء الكبير من التكاليف دون أن ننسى المنافسة الشديدة التي تعرفها هذه القطاعات دفعت بمعظمهم إلى التخلي عن هامش الربح بشكل صريح.

هي إذا حالة من الفوضى فرضها التشريع الحالي باعتباره أن الزيادة في الحد الأدنى من الأجر لا تندرج ضمن حالات اللجوء إلى إجراء مراجعة أثمان الصفقة لكونه ليس من المواد الداخلة في إنجاز الأعمال، وهذا بطبيعة الحال ضرب من العبث، بل أكثر من ذلك فإن المشرع أقر ضمنيا بكون الأجر عامل حاسم في تحديد الأثمان وأدرجه ضمن لائحة المؤشرات.

يجب التنبيه أن هناك فرق شاسع بين مفهوم مراجعة الأثمنة والذي يتم بشكل دوري وهو المعهود في مدونة الصفقات العمومية بالمغرب ومفهوم تحيين الأثمنة الذي ينجز مرة واحدة طيلة مدة العقد والذي لا يوجد له أساس في المدونة المعمول بها حاليا.

الإشكالية المعروضة اليوم والتي خلقت لغطا كثيرا في الساحة الاقتصادية في المغرب هي كون مراجعة الأثمنة نظريا لا تتناسب والزيادة الصاروخية الفعلية للمواد الأولية.

وجوابها مرتبط بعدة زوايا يمكن حصرها أساسا فيما يلي:

- لقد عمد بعض الممولين إلى احتكار سوق هذه المواد الأولية مما أدى إلى هذه الزيادات الغير معقولة مستغلين الفراغ الفعلي لدور مؤسسة مجلس المنافسة في القيام بواجبه والحاجة الماسة حاليا إليه كهيئة رقابية دستورية ومحدودية باقي الهيئات الإدارية المكلفة بمراقبة الأسعار لذلك وجب على الدولة اتخاذ جميع القرارات الحاسمة والعقوبات اللازمة لمحاربة هذه الظاهرة.

- أعطى المشرع المغربي للإدارة حق حصري في اختيار صيغ ومعادلات مراجعة الأثمنة في دفاتر التحملات الخاصة، نتج عن ذلك إقصاء الشريك الاقتصادي وإهمال لهذا المكون الهام في ضبط التوازن المالي للعقد.

هذه السلطة المنفردة أنتجت منازعات أمام المحاكم الإدارية بالمغرب وستعرف - بنظرنا - أوجهها مع هذه الزيادات.

- انفراد السلطة التنفيذية بهذا القرار ولد نوعا من الاتكالية والعجز لذا المقاول المغربي وعدم إيلائه الأهمية اللازمة أثناء مرحلة تفويت الصفقة وإعداد العروض.

- باعتبار السوق المغربي ليس بمعظمه سوقا مهيكلا فإن أغلب المقاولين لا يأخذون بعين الاعتبار تقلبات السوق العالمية أثناء مرحلة إعداد العروض وكذا عند القيام بالمشتريات اللازمة.

قانونا نتساءل هل المشرع المغربي وضع آلية واضحة لضبط التغيرات الهامة والغير اعتيادية التي قد تنشؤ عن مراجعة الأثمنة.

 الجواب وبكل بساطة هو "نعم" لكن وفي حدود علمنا لم يتم تفعيل هذه الآلية لحد الساعة.

بالرجوع إلى المادة 54 من دفتر الشروط الإدارية العامة المطبقة على صفقات الأشغال فإن الفقرات 2، 3 و4 منه قد أكدت صراحة ما يلي:

2- إذا عرفت أثمان الأشغال، داخل الأجل التعاقدي للصفقة، من جراء تطبيق صيغة أو صيغ مراجعة الأثمان، تقلبا بحيث، في فترة معينة، يكون المبلغ الإجمالي للأشغال التي لم تنفذ بعد يتجاوز أو يقل بخمسين في المائة (50٪) بالمقارنة مع مبلغ هذه الأشغال نفسها الذي تم احتسابه على أساس الأثمان الأصلية للصفقة، يجوز للسلطة المختصة أن تفسخ الصفقة تلقائيا.

3- ويمكن للمقاول من جهته أن يطلب كتابة فسخ الصفقة، ما عدا في الحالة التي يكون فيها المبلغ غير المراجع للأشغال التي لم تنفذ بعد، لا يفوق عشرة في المائة (10٪) من المبلغ الأصلي للصفقة.

4- وفي جميع الحالات، يجب على المقاول مواصلة تنفيذ الأشغال إلى حين صدور مقرر السلطة المختصة الذي يجب أن يبلغ إليه داخل أجل أقصاه ستون (60) يوما ابتداء من تاريخ تسلم طلب الفسخ.

هذه القاعدة لا تطبق إلا إذا توفرت الشروط التالية:

. (50٪) - تقلب الثمن زيادة أو نقصانا على الأقل بخمسين في المائة

- تطبق هذه القاعدة فقط على الأشغال التي لم تنفذ بعد وتتجاوز عشرة في المائة (10٪) من المبلغ الأصلي للصفقة دون أي توضيح في حالة وجود أشغال إضافية.

- تشترط هذه القاعدة أيضا مراسلة المقاول كتابة لطلب فسخ الصفقة وتقييدها بموافقة السلطة المختصة، وعليه يفهم من ذلك أن الإرادة الفعلية لتحقيق التوازن المالي للعقد مرتبطة بالصفة الانفرادية للإدارة.

بخصوص صفقات الدراسات وبالموازاة مع صفقات الأشغال فقد أكدت المادة 35 ما يلي:

إذا أبرمت الصفقة على أساس ثمن قابل للمراجعة وعرفت أثمان الأعمال، داخل الأجل التعاقدي للصفقة، من جراء تطبيق صيغ مراجعة الأثمان المبينة في دفتر الشروط المشتركة أو في دفتر الشروط الخاصة تقلبا بحيث، في فترة معينة، يكون المبلغ الإجمالي للأعمال التي لم تنفذ بعد يتجاوز أو يقل بخمسة وعشرين في المائة (25٪) بالمقارنة مع مبلغ هذه الأعمال نفسها الذي تم احتسابه على أساس الأثمان الأصلية للصفقة، يجوز فسخ هذه الأخيرة بمقرر للسلطة المختصة بناء على اقتراح من صاحب المشروع أو بطلب من صاحب الصفقة.

هذا المقتطف بدوره حصر الحق في الفسخ الفعلي للإدارة مع اشتراط سقف أدنى محدد في خمسة وعشرين في المائة (٪25).

خلاصة لكل ما سبق وفي ظل الأزمة الحالية والتي من شأنها إضعاف المقاولة المغربية يجب على المشرع المغربي وكذا الهيئات الرقابية عاجلا إعادة النظر في آليات مراجعة الأثمنة وتحييدها لضمان مزيد من المنافسة الشريفة ويعول أيضا على الاجتهاد القضائي لتحقيق مبدأ التوازن المالي للعقد.



مقالات ذات صلة
التعليقات